الرئيسية | رأى | الله يرحمك يا خال

الله يرحمك يا خال

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لدكتورة لمياء محمود ، رئيس شبكة صوت العرب لدكتورة لمياء محمود ، رئيس شبكة صوت العرب

حمل صفة ربما رددها البعض دون أن يعرف مدلولها . "الخال" . معجميًا معناها ، من تتوسم فيه الخير ، الغيم الذى يظلل المكان ، الجبل الضخم . لكن المعنى الأقرب للفهم الدارج ، الخال شقيق الأم ، ولدينا مثل يقول " الخال والد "، أى أن له من الاحترام ما للوالد . وقرابة الخال أعم وأشمل من أى قرابة أخرى من جهة الأب تستلزم التشابه فى الأسماء أو فى اللقب العائلى . لذا نجد أهل الصعيد يطلقون على الكبير ـ وما أدرانا ما الكبير فى الصعيد ـ الخال .

  إذن هو الخال ، الكبير ، الذى يظلل ، الجبل الضخم ، من له احترام الوالد ، عبد الرحمن الأبنودى .

 

   لى معه تاريخ ، إذ كانت بداية تعرفى عليه وقد تخطيت العاشرة من العمر بعامين تقريبًا ، كان لى شغف الاستماع للإذاعة ، التقطت صوتًا مميزًأ جدًا ، خفيف الظل جدًا ، يقول كلمات ليست كالكلمات ، يتحدث لهجة صعيدية جميلة ، ربما وجدت صعوبة فى فهمها فى البداية ، لكننى استملحتها ، كان يتحدث عن أشخاص يسميهم بالاسم ، ويدير حوارات فيما بينهم ، يعلو صوته وينخفض ، خلق بمفرده جوًا دراميًا عن حكايات الهجرة ، حكايات مدن القناة . صوته رائع ، تصاحبه موسيقى شقية سريعة لم تكن سمة هذا الوقت ـ منتصف السبعينيات ـ وضعها الموسيقار حسن نشأت ، وكان العمل " وجوه على الشط "، إخراج المبدع عادل جلال . بدأت أبحث عن هذا المبدع فى أعمال أخرى ، وجدت المكتوب والمسموع ، شىء مبهر ومختلف . سجلت هذا لدى كل من أراه أو أعرف أنه يعرفه ويتعامل معه ، حتى التحقت الإذاعة وجدت أساتذة وزملاء كثر أصدقاء للأبنودى ، وذات يوم بعد أن أنهيت عملى فى العاشرة صباحًا فى برنامج صباح الخير يا عرب وجدت مكتب منوعات صوت العرب مفتوحًا فدخلت إذا بى أجده جالسًا من الأستاذة القديرة تهانى رمضان يستعدان لتسجيل حلقة من برنامج " عمالقة ألأمس ونجوم اليوم "، ما إن لمحتنى حتى تذكرت ما أقوله عنه ، قالت له إنها من أشد المعجبين بك ، فانتفض قائمًا وقال : إذن لابد أن أقوم ( أجوم ) وأسلم وأقفل ( أجفل ) زرار الجاكيت ، ضحكنا ، ومن ذلك اليوم صرت ممن يتحدثون إليه فى المناسبات عن الأعمال المختلفة التى قدمها وذكرياته عنها . ذات مناسبة حدثته عن أغنيته الوطنية الرائعة " عدى النهار " هذه الأغنية التى لابد وأن تبكى عندما تستمع إليها ، سألته كيف جاءك وحى هذه الكلمات الموحية بالمرارة وخيبة الأمل ؟ لكنها تنتهى بالأمل ، وطلوع النهار ، أخذ يسرد جملة جملة من كلمات الأغنية ويشرحها بمدلولها عند الثقافة الشعبية والعوام ، حتى وصل إلى جملة " وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها ، جانا نهار ما يقدرش يدفع مهرها " ، فبكى وبكى كل من يستمع للحوار .

   ذكر لى الإذاعى الكبير الأستاذ أحمد سعيد أن عبد الحليم حافظ وكمال الطويل دخلا عليه مكتبه فى إرهاصات 5 يونيو وطلبا عمل أغنيات حماسية ، وطرحا اسم صلاح جاهين للكتابة لكنه وحده لم يكن كافيًا ، فطرح اسم الأبنودى ، بحثوا عنه فوجدوه فى المعتقل ، تدخل الأستاذ أحمد سعيد وأخرجه ، فما كان من الأبنودى إلا أن يذهب فورًا إلى قريته أبنود لربما يتم العدول عن قرار الإفراج ويعتقل مرة أخرى ، فبدأت رحلة للبحث عنه والاتصال به ودعوته للقدوم للقاهرة لكتابة الأغانى لهذه المرحلة ، فوصل إلى القاهرة ومعه أكثر من تسع أغنيات كتبها فى القطار وهو فى الطريق . بدأ الإنتاج فورا فكانت أغنيات " ابنك يقولك يا بطل هات الانتصار " ، " أحلف بسماها وبترابها " " إضرب " ،

   كانت العادة أن أتصل به يوم عيد ميلاده ، فى الحادى عشر من ابريل ، ذات مرة قال إنتوا عارفين عيد ميلادى كمان ، قلت له طبعًا أنا جارتك فى برج الحمل ، فرد ضاحكًا وبتاخدى على دماغك برضه ، ماهو برج الحمل لازم ياخد على دماغه علشان تاعبهم كلهم . وكان آخر اتصال فى عيد ميلاده الأخير ، قبل الرحيل بعشرة أيام فقط ، الصوت كان واهنًا لكنه يحمل الابتسامة ، لم يطل الاتصال أكثر من ثلاث دقائق ، اختتمه بعبارة رددها ثلاث أو أربع مرات " ألف شكر " .

   رحم الله الخال عبد الرحمن الأبنودى الشاعر الذى حرك الجماهير فى كل المناسبات التى عايشها ، من النكسة للانتصار ، فى ثورة يناير بأحداثها المتلاطمة ، فى ثورة 30 يونيو . كان الصوت الذى يلبى رغبات المتلقين ، فينتظرون جديده . كان الشاعر الذى يجب أن تستمع لأعماله بصوته ، فهو الأكثر قدرة على توصيل معناه المختلف بلهجته ، سئل قبل الرحيل بأيام هل ستكتب شيئًا لقناة السويس فى حفل الافتتاح ، يبدو أنه كان يدرك أن وقت الرحيل قد قرب ، قال ليس لدى العزم ، الأوبرا أقدر على ذلك ، كما حدث فى الافتتاح الأول . رحم الله الأبنودى الجوهرة التى أدركنا قيمتها وهى بيننا ، ولأنه مبدع فقد تجاوز بشعره وجهة واحدة فكتب فى كثير من المجالات ، أبكانا من أجل الوطن ، وبشرنا بالأمل ، وأضحكنا بشدة عن مواقف عاشها أو سمع عنها . وعلى سبيل الاختلاف أدعوكم لسماع قصائده " صافا ".

شاركنـا بـرأيــك

مارأيك في تصميم الموقع الجديد ؟