الرئيسية | رأى | الإمام البخاري في عيون معاصريه

الإمام البخاري في عيون معاصريه

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
د. عبد الله الخولي نائب رئيس إذاعة القرآن الكريم د. عبد الله الخولي نائب رئيس إذاعة القرآن الكريم

يتعرض الإمام البخاري وكتابه الصحيح لهجمة شرسة من قبل بعض من يحسبون على الإسلام ويظنون أنهم يدافعون عنه

 

ومما يؤسف له أن كلامهم يجد قبولا لدى بعض الشباب وغيرهم ممن لا يعرفون شيئا عن تراثنا الإسلامي الخالد ويجد في الوقت نفسه أقلاما تكتب الحق وألسنة تنطق به وتنزل العلماء منزلتهم وتدافع عنهم عن علم واعتراف بما قدموه للإسلام والمسلمين وهذا ما دفعني إلى الحديث عن الإمام البخاري في عيون معاصريه لأن المعاصرين للإنسان الذين جلسوا معه ووتتلمذوا على يديه وقرأوا مؤلفاته في وجوده هم خير شاهد عليه إذ لا يصح أن يحكم إنسان القرن الخامس عشر الهجري على إنسان القرن الثاني والثالث الهجريين ومن العدل أن خير حكم على الإنسان معاصروه الذين جاوروه واختلطوا به وراقبوه في كل مكان والقارئ لحياة الإمام البخاري يلحظ أن معاصريه عرفوا فضله ولم يعترض أحدهم عليه فقد ولد رحمه الله في شوال سنة أربع وتسعين ومائة. ونشأ كما نشأ أقرانه في أحضان كتاب الله وألهم حفظ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين وتعلم من علماء عصره كالأمام الداخلي وصحح له بعض ماروى ، فبينما كان الأمام الداخلي يقرأ للناس يوما قال: سُفْيَان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقال البخاري، معترضا في أدب إن أبا الزبير لم يرو عن إِبْرَاهِيم. فانتهره الإمام الداخلي. فقال له البخاري: ارجع إلى الأصل إن كان عندك . فدخل ونظر فيه، ثم خرج فقال لِلبخاري : كيف هو يا غلام؟ قال: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم. فأخذ القلم من البخاري وأحكم كتابه، وقَالَ: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ قَالَ: ابن إحدى عشرة سنة.
ومما ساعد على نبوغ الإمام البخاري في علم الحديث أنه تعلم على يد علمائه في أمصار متعددة في مكة والمدينة والعراق وغيرها من بلدان العالم الإسلامي وهاهو يقول عن رحلته العلمية التي هيأها الله له: فلما كنت في سن السادسة عشرة حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، ثم خرجت مع أمي وأخي [أَحْمَد] إلى مكة، فلما حججت رجع أخي، وتخلفت بِهَا في طلب الحديث، فلما كنت في الثامنة عشرة من عمري جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب «التاريخ» عند قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليالي المقمرة، 
كما رحل رحمه الله إلى خراسان ومدن العراق، والحجاز، والشام، ومصر، . وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، قال ابن وضّاح، ومكي بن خلف: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول:
كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلّا عمّن قال: الإيمان قول وعمل.أي أنه كان يتحرى من يكتب عنه فلا بد أن يكون جامعا بين الإيمان قولا وعملا ليضمن صدقه فيما يكتبه عنه
ـ وعن أبي إسحاق الريحاني، أن البخاري كان يقول: صنفت «كتاب الصحيح» بست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
وارتحل سنة عشر ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم، وأبا عاصم النّبيل، وأحمد بن حنبل، وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكان ـ رحمه الله ـ من أوعية العلم، يتوقد ذكاء، ولم يأت بعده مثله في الحفظ والرواية والدراية والإحاطة بعلوم الحديث إذ توفر له مالم يتوفر لغيره من ذكاء وقوة حفظ مكنته من حفظ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم روي عنه بعض رفقائه أنه كان يختلف معهم إلى مشايخ البصرة وهو غلام، ولا يكتب فسألوه بعد أيام: لم لا تكتب. فقرأ عليهم جميع ما سمعوه من حفظه ، وكان يزيد على خمسة عشر ألف حديث وقال أحمد بن حمدون الأعمشي: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، كأنه يقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ 112: 1 [الإخلاص: 1] .

 

 

كما أنه لم يعتمد على الحفظ فقط بل كان يكتب ومن المعلوم أن الكلمة المكتوبة كلمة محفوظة لا تضيع وما كان يكتب إلا عمن كان الإيمان خلقه قولا وعملا وكان يراقب الله فيما يكتب والله خير رقيب
ولقد نقل لنا معاصروه مناظراته العلمية في علم الحديث تلك المناظرات التي تقف شاهدا على تمكنه في هذا العلم وحفظه له ودرايته برواياته وأنقل ما قيل عن أحدى هذه المناظرات نقلا دون تدخل حتى لا أفقدها رونقها فقد حكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس والخطيب في تاريخ بغداد أن الإمام البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد إسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: لقد فهم الرجل الحيلة، ومن كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.

 

 

كان الإمام البخاري أكثر الناس احتراما وتقديرا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول وما وضعت [في كتاب الصحيح] حديثا إلا اغتسلت [قبل ذلك] وصليت ركعتين كما حظي برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام حيث قال محمد بن سليمان بن فارس: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: رأيت النّبيّ، صلى الله عليه وسلم، كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبّ عنه، فسألت بعض المعبرين فقال: إنك تذبّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج «الصحيح»
ولقد عرف معاصروه منزلته العلمية فأثنوا عليه وعلى كتابه الصحيح ففي الثناء عليه وعلى علمه :
َـ قَالَ أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عَبْد اللَّهِ بن نمير: ما رأينا مثل مُحَمَّد بن إسماعيل.
ـ وَقَالَ أَحْمَد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري.
ـ وَقَالَ إِسْحَاق بن راهويه، وعنده البخاري: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب، واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفهمه.
ـ وقال أبو حامد أحمد بن حمدون الأعمشي: سمعت مسلم بن الحجّاج يقول لمحمد بن إسماعيل البخاري: لا يعيبك إلّا حاسد، وأشهد أن ليس في الدّنيا مثلك.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري.
قال أبو داود: كان حافظا متقنا.
وعن كتابه الصحيح قال النسائيّ: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل.
وقال ابن الأهدل- بعد الإطناب في ذكره-: أجمع النّاس على صحة كتابه، حتّى لو حلف حالف بطلاق زوجته ما في «صحيح البخاري» حديث مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلّا وهو صحيح عنه كما نقله، ما حكم بطلاق زوجته، نقل ذلك غير واحد من الفقهاء وقرّروه.
وهذا ابن خلدون يقول عنه وجاء محمّد بن إسماعيل البخاريّ إمام المحدّثين في عصره فخرّج أحاديث السّنّة على أبوابها في مسنده الصّحيح بجميع الطّرق الّتي للحجازيّين والعراقيّين والشّاميّين. واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرّر الأحاديث يسوقها في كلّ باب بمعنى ذلك الباب الّذي تضمّنه الحديث فتكرّرت لذلك أحاديثه حتّى يقال: إنّه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين، منها ثلاثة آلاف متكرّرة وفرق الطّرق والأسانيد عليها مختلفة في كلّ باب.
فهل بعد هذه الأقوال من معاصريه ومن العلماء المخلصين يطلع علينا في هذا العصر من يشكك الناس في هذا الإمام وفي كتابه الصحيح الذي قال عنه الإمام النووي إنه أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل إن هذا لشيء عجاب إن مثل هؤلاء كمثل رجل بنى بيتا يسر الناظرين فملأ الحقد قلب من نظر على من بنى فحاول الناظر أن يعمل فيه معول الهدم حقدا وحسدا ولكن هيهات هيهات إذ سيطر البيت على قلوب المخلصين الذين يعرفون أن كل شيء رزق من الله والله فضل بعضكم على بعض في الرزق والعلم أفضل رزق يرزقه الإنسان في هذه الحياة
إنني أدعو كل من تسول له نفسه للنيل من قممنا العلمية أن يقرأ عنهم في كتب التراث وعن سيرتهم النيرة التي ملأت ولا تزال تملأ الدنيا نورا وهاهي محفوظة بحفظ الله لها عن طريق هؤلاء المخلصين من العلماء الذين أنزلوا العلم وأهله منزلته اللائقة به أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض رحم الله الإمام البخاري ورضي عنه ونفعنا بعلمه وجزاه الله خير الجزاء

 

شاركنـا بـرأيــك

مارأيك في تصميم الموقع الجديد ؟